الوردة الحزينة

عاشق الوردة
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الأجنحة المتكسرة _جبران خليل جبران

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عطر الشهداء



عدد الرسائل : 10
تاريخ التسجيل : 16/11/2008

مُساهمةموضوع: الأجنحة المتكسرة _جبران خليل جبران   الأحد نوفمبر 16, 2008 2:26 am

جبران خليل جبران
الأجنحة المتكسرة

**************
1_ توطئة


كنت في الثامنة عشرة من عمري عندما فتح الحب عينيَّ بأشعته السحرية، ولمس نفسي لأول مرة بأصابعه النارية. وكانت سلمى كرامة المرأة الأولى التي أيقظت روحي لمحاسنها، ومشت أمامي إلى جنة العواطف العلوية حيث تمر الأيام كالأحلام وتنقضي الليالي كالأعراس.
سلمى كرامة هي التي علمتني عبادة الجمال بجمالها، وأرتني خفايا الحب بانعطافها، وهي التي أنشدت على مسمعي أول بيت من قصيدة الحياة المعنوية.
أي فتى لا يذكر الصبية الأولى التي أبدلت غفلة شبيبته بيقظة هائلة بلطفها، جارحة بعذوبتها، فتاكة بحلاوتها؟ من منا لا يذوب حنيناً إلى تلك الساعة الغريبة التي إذا انتبه فيها فجأة رأى كليته قد انقلبت وتحولت، وأعماقه قد اتسعت وانبسطت وتبطنت بانفعالات لذيذة بطل ما فيها من مرارة الكتمان، مستحبة بكل ما يكتنفها من الدموع والشوق والسهاد.
لكل فتى سلمى تظهر على حين غفلة في ربيع حياته. وتجعل لانفراده معنى شعرياً وتبدل وحشة أيامه بالأنس، وسكينة لياليه بالأنغام.
كنت حائراً بين تأثيرات الطبيعة وموحيات الكتب والأسفار عندما سمعت الحب يهمس بشفتي سلمى في آذان نفسي، وكانت حياتي خالية مقفرة باردة شبيهة بسبات آدم في الفردوس عندما رأيت سلمى منتصبة أمامي كعمود النور، فسلمى كرامة هي حواء هذا القلب المملوء بالأسرار والعجائب، هي التي أفهمته كنه هذا الوجود وأوقفته كالمرآة أمام هذه الأشباح. حواء الأولى أخرجت آدم من الفردوس بإرادتها وانقياده، أما سلمى فأدخلتني إلى جنة الحب والطهر بحلاوتها واستعدادي، ولكن ما أصاب الإنسان الأول قد أصابني، والسيف الناري الذي طرده من الفردوس هو كالسيف الذي أخافني بلمعان حده، وأبعدني كرهاً عن جنة المحبة قبل أن أخالف وصية، وقبل أن أذوق طعم ثمار الخير والشر.
واليوم، وقد مرت الأعوام المظلمة طامسة بأقدامها رسوم تلك الأيام، لم يبقى لي من ذلك الحلم الجميل سوى ذكريات موجعة ترفرف كالأجنحة غير المنظرة حول رأسي، مثيرة تنهدات الأسى في أعماق صدري، مستقطرة دموع اليأس والأسف من أجفاني.. وسلمى ــ سلمى الجميلة العذبة قد ذهبت إلى ما وراء الشفق الأزرق ولم يبق من آثارها في هذا العالم سوى غصات أليمة في قلبي، وقبر رخام منتصب في ظلال أشجار السرو. فذلك القبر وهذا القلب هما كل ما بقي ليحدث الوجود عن سلمى كرامة. غير أن السكينة التي تخفر القبور لا تفشي 1لك السر المصون الذي أخفته الآلهة في ظلمات التابوت، والأغصان التي امتصت عناصر الجسد لا تبيح بحفيفها مكنونات الحفرة، أما غصات وأوجاع هذا القلب فهي التي تتكلم وهي التي تنسكب الآن مع قطرات الحبر السوداء معلنة للنور أشباح تلك المأساة التي مثلها الحب والجمال والموت.
فيا أصدقاء شبيبتي المنتشرين في بيروت، إذا مررتم بتلك المقبرة القريبة من غابة الصنوبر ادخلوها صامتين، وسيروا ببطء كيلا تزعج أقدامكم رفات الراقدين تحت أطباق الثرى، وقفوا متهيبين بجانب قبر سلمى وحيوا التراب الذي ضم جثمانها. ثم اذكروني بتنهدة قائلين في نفوسكم: ههنا دفنت آمال ذلك الفتى الذي نفته صروف الدهر إلى ما وراء البحار، وههنا توارت أمانيه وانزوت أفراحه وغادرت دموعه واضمحلت ابتساماته، وبين هذه المدافن الخرساء تنمو كآبته مع أشجار السرو والصفصاف. وفوق هذا القبر ترفرف روحه كل ليلة مستأنسة بالذكرى، مرددة مع أشباح الوحشة ندابات الحزن والأسى، نائحة مع الغصون على صبية كانت بالأمس نغمة شجية بين شفتي الحياة فأصبحت اليوم سراً صامتاً في صدر الأرض.
أستحلفكم يا رفاق الصبا بالنساء اللواتي أحبتهن قلوبكم أن تضعوا أكاليل الأزهار على قبر المرأة التي أحبها قلبي ـ فرب زهرة تلقونها على ضريح منسي تكون كقطرة الندى التي تسكبها أجفان الصباح بين أوراق الورود الذابلة.


يتبع






window.google_render_ad();
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عطر الشهداء



عدد الرسائل : 10
تاريخ التسجيل : 16/11/2008

مُساهمةموضوع: رد: الأجنحة المتكسرة _جبران خليل جبران   الأحد نوفمبر 16, 2008 2:29 am

2- الكآبة الخرساء


أنتم أيها الناس تذكرون فجر الشبيبة فرحين باسترجاع رسومه، متأسفين على انقضائه، أما أنا فأذكره مثلما يذكر الحر المعتوق جدران سجنه وثقل قيوده. أنتم تدعون تلك السنين التي تجيء بين الطفولة والشباب عهداً ذهبياً يهزأ بمتاعب الدهر وهواجسه ويطير مرفرفاً فوق رؤوس المشاعل والهموم مثلما تجتاز النحلة فوق المستنقعات الخبيثة، سائرة نحو البساتين المزهرة، أما أنا فلا أستطيع أن أدعو سني الصبا سوى عهد آلام خفية خرساء كانت تقطن قلبي وتثور كالعواصف في جوانبه، وتتكاثر نامية بنموه ولم تجد منفذاً تنصرف منه إلى عالم المعرفة حتى دخل إليه الحب وفتح أبوابه وأنار زواياه، فالحب قد عتق لساني فتكلمت ومزق أجفاني فبكيت وفتح حنجرتي فتنهدت وشكوت.
أنتم أيها الناس تذكرون الحقول والبساتين والساحات وجوانب الشوارع التي رأت ألعابكم وسمعت همس طهركم، وأنا أيضاً أذكر تلك البقية الجميلة من شمال لبنان، فما أغمضت عينيّ عن هذا المحيط إلا ورأيت تلك الأودية المملوءة سحراً وهيبة، وتلك الجبال المتعالية بالمجد والعظمة نحو العلاء، ولا صممت أذني عن ضجة هذا الاجتماع إلا وسمعت خرير تلك السواقي وحفيف تلك الغصون, ولكن هذه المحاسن التي أذكرها الآن وأشوق إليها شوق الرضيع إلى ذراعي أمه هي التي كانت تعذب روحي المسجونة في ظلمة الحداثة مثلما يتعذب البازي بين قضبان قفصه عندما يرى أسراب البزاة تسبح حرة في الخلاء الوسيع ــ وهي التي كانت تملأ صدري بأوجاع التأمل ومرارة التفكير، وتنسج بأصابع الحيرة والالتباس نقاباً من اليأس والقنوط حول قلبي ــ فلم أذهب إلى البرية إلا وعدت منها كئيباً جاهلاً أسباب الكآبة. ولا نظرت مساء إلى الغيوم المتلونة بأشعة الشمس إلا وشعرت بانقباض متلف ينمو لجهلي معاني الانقباض، ولا سمعت تغريدة الشحرور أو أغنية الغدير إلا وقفت حزيناً لجهلي موجبات الحزن.
يقولون إن الغباوة مهد الخلود والخلود مرقد الراحة ــ وقد يكون ذلك صحيحاً عند الذين يولدون أمواتاً ويعيشون كالأجساد الهامدة الباردة فوق التراب، ولكن إذا كانت الغباوة العمياء قاطنة في جوار العواطف المستيقظة تكون الغباوة أقصى من الهاوية وأمر من الموت. والصبي الحساس الذي يشعر كثيراً ويعرف قليلاً هو أتعس المخلوقات أمام وجه الشمس لأن نفسه تظل واقفة بين قوتين هائلتين متباينتين: قوة خفية تحلق به السحاب وتريه محاسن الكائنات من وراء ضباب الأحلام، وقوة ظاهرة تقيده بالأرض وتغمر بصيرته بالغبار وتتركه ضائعاً خائفاً في ظلمة حالكة.
للكآبة آياد حريرية الملامس، قوية الأعصاب تقبض على القلوب وتؤلمها بالوحدة. فالوحدة حليفة الكآبة كما أنها أليفة كل حركة روحية. ونفس الصبي المنتصبة أمام عوامل الوحدة وتأثيرات الكآبة شبيهة بالزنبقة البيضاء عند خروجها من الكمام ترتعش أمام النسيم، وتفتح قلبها لأشعة الفجر وتضم أوراقها بمرور خيالات المساء، فأن لم يكن للصبي من الملاهي ما يشغل فكرته، ومن الرفاق من يشاركه في الأميال، كانت الحياة أمامه كحبس ضيق لا يرى في جوانبه غير أنوال العناكب ولا يسمع من زواياه سوى دبيب الحشرات.
أما تلك الكآبة التي اتبعت أيام حداثتي فلم تكن ناتجة عن حاجتي إلى الملاهي لأنها كانت متوفرة لدي، ولا عن افتقاري إلى الرفاق لأنني كنت أجدهم أينما ذهبت، بل هي من أعراض علة طبيعية في النفس كانت تحبب إليّ الوحدة والانفراد وتميت في روحي الأميال إلى الملاهي والألعاب، وتخلع عن كتفيّ أجنحة الصبا وتجعلني أمام الوجود كحوض مياه بين الجبال يعكس بهدوئه المحزن رسوم الأشباح وألوان الغيوم وخطوط الأغصان ولكنه لا يجد ممراً يسير فيه جدولاً مترنماً إلى البحر.
هكذا كانت حياتي قبل أن أبلغ الثامنة عشرة، فتلك السنة هي من ماضيّ بمقام القمة من الجبل، لأنها أوقفتني متأملاً تجاه هذا العالم، وأرتني سبل البشر، ومروج أميالهم، وعقبات متاعبهم وكهوف شرائعهم وتقاليدهم.
في تلك السنة ولدت ثانية والمرء إن لم تحبل به الكآبة ويتمحض به اليأس، وتضعه المحبة في مهد الأحلام، تظل حياته كصفحة خالية بيضاء في كتاب الكيان.
في تلك السنة شاهدت ملائكة السماء تنظر إليّ من وراء أجفان امرأة جميلة، وفيها رأيت أبالسة الجحيم يضجون ويتراكضون في صدر رجل مجرم، ومن لا يشاهد الملائكة والشياطين في محاسن الحياة ومكروهاتها يظل قلبه بعيداً عن المعرفة ونفسه فارغة من العواطف.


يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عطر الشهداء



عدد الرسائل : 10
تاريخ التسجيل : 16/11/2008

مُساهمةموضوع: رد: الأجنحة المتكسرة _جبران خليل جبران   الأحد نوفمبر 16, 2008 2:31 am

3-يد القضاء


كنت في بيروت في ربيع تلك السنة المملوءة بالغرائب وكان نيسان قد أنبت الأزهار والأعشاب فظهرت في بساتين المدينة كأنها أسرار تعلنها الأرض للسماء. وكانت أشجار اللوز والتفاح قد اكتست بحلل بيضاء معطرة فبانت بين المنازل كأنها بملابس ناصعة قد بعثت بهن الطبيعة عرائس وزوجات لأبناء الشعر والخيال.
الربيع جميل في كل مكان ولكنه أكثر من جميل في سوريا. الربيع روح إله غير معروف تتطوف في الأرض مسرعة. وعندما تبلغ سوريا تسير ببطء متلفتة إلى الوراء مستأنسة بأرواح الملوك والأنبياء الحائمة في الفضاء. مترنمة مع جداول اليهودية بأناشيد سليمان الخالدة. مرددة مع أرز لبنان تذكارات المجد القديم.
وبيروت في الربيع أجمل منها في ما بقي من الفصول. لأنها تخلو فيه من أحوال الشتاء وغبار الصيف وتصبح بين أمطار الأول وحرارة الثاني كصبية حسناء قد اغتسلت بمياه الغدير ثم جلست على ضفته تجفف جسدها بأشعة الشمس.
ففي يوم من تلك الأيام المفعمة بأنفاس نيسان المسكرة وابتساماته المحيية، ذهبت لزيارة صديق يسكن بيتاً بعيداً عن ضجة الاجتماع. وبينما نحن نتحدث راسمين بالكلام خطوط آمالنا وأمانينا دخل علينا شيخ جليل في الخامسة والستين من عمره تدل ملابسه البسيطة وملامحه المتجعدة على الهيبة والوقار، فوقفت احتراماً وقبيل أن أصافحه مسلماً تقدم صديقي وقال "حضرته فارس أفندي كرامة" ثم لفظ اسمي مشفوعاً بكلمة ثناء، فأحدق بي الشيخ هنيهة لامساً بأطراف أصابعه جبهته العالية المكللة بشعر أبيض كالثلج كأنه يريد أن يسترجع إلى ذاكرته صورة شيء قديم مفقود، ثم ابتسم ابتسامة سرور وانعطاف واقترب مني قائلاً "أنت ابن صديق حبيب قديم صرفت ربيع العمر برفقته فما أعظم فرحي بمرآك وكم أنا مشتاق إلى لقاء أبيك بشخصك".
فتأثرت لكلامه وشعرت بجاذب خفي يدنيني إليه بطمأنينة، مثلما تقود الغريزة العصفور إلى وكره قبيل مجيء العاصفة. ولما جلسنا أخذ يقص علينا أحاديث صداقته لوالدي متذكراً أيام الشباب التي صرفها بقربه تالياً على مسامعنا أخبار أعوام قضت فكفنها الدهر بقلبه وقبرها في صدره.. إن الشيوخ يرجعون بالفكر إلى أيام شبابهم رجوع الغريب المشتاق إلى مسقط رأسه ويميل إلى سرد حكايات الصبا ميل الشاعر إلى تنغيم أبلغ قصائده فهم يعيشون بالروح في زوايا الماضي الغابر لأن الحاضر لا يمر بهم ولا يلتفت والمستقبل يبدو لأعينهم متشحاً بضباب الزوال وظلمة القبر.
وبعد ساعة مرت بين الأحاديث والتذكارات مرور ظل الأغصان على الأعشاب، وقف فارس كرامة للانصراف ولما دنوت منه مودعاً أخذ يدي بيمينه ووضع شماله على كتفي قائلاً: "أنا لم أر والدك منذ عشرين سنة ولكنني أرجو أن أستعيض عن بعاده الطويل بزياراتك الكثيرة".
فانحنيت شاكراً واعداً بتتميم ما يجب على الابن نحو صديق أبيه.
ولما خرج فارس كرامة استزدت صاحبي من أخباره فقال بلهجة يساورها التحذر: "لا أعرف رجلاً سواه في بيروت قد جعلته الثروة فاضلاً والفضيلة مثرياً. وهو واحد من القليلين الذين يجيئون هذا العالم ويغادرونه قبل أن يلامسوا بالأذى نفس مخلوق ــ ولكن هؤلاء الرجال يكونون غالباً تعساء مظلومين لأنهم يجهلون سبل الاحتيال التي تنقذهم من مكر الناس وخبثهم. ولفارس كرامة ابنة وحيدة تسكن معه منزلاً فخماً في ضاحية المدينة وهي تشابهه بالأخلاق وليس بين النساء من يماثلها جمالاً وهي أيضاً ستكون تاعسة لأن ثروة والدها الطائلة توقفها الآن على شفير هاوية مظلمة مخيفة".
لفظ صديقي الكلمات الأخيرة وظهرت على محياه لوائح الغم والأسف ثم زاد قائلاً: " فارس كرامة شيخ شريف القلب كريم الصفات ولكنه ضعيف الإرادة يقوده رياء الناس كالأعمى وتوقفه مطامعهم كالأخرس. أما ابنته فتخضع ممتثلة لإرادته الواهنة على رغم كل ما في روحها الكبيرة من القوى والمواهب وهذا هو السر الكريه الكامن وراء حياة الوالد وابنته. وقد فهم هذا السر رجل يأتلف في شخصه الطمع بالرياء والخبث بالدهاء. وهذا الرجل هو مطران تسير قبائحه بظل الإنجيل فتظهر للناس كالفضائل. وهو رئيس دين في بلاد الأديان والمذاهب. تخافه الأرواح والأجساد وتخر لديه ساجدة مثلما تنحني رقاب الأنعام أمام الجزار. ولهذا المطران ابن أخ تتصارع في نفسه عناصر المفاسد والمكاره مثلما تنقلب العقارب والأفاعي على جوانب الكهوف والمستنقعات. وليس بعيداً اليوم الذي ينتصب فيه المطران بملابسه الحبرية جاعلاً ابن أخيه عن يمينه وابنة فارس كرامة عن شماله، رافعاً بيده الأثيمة إكليل الزواج فوق رأسيهما مقيداً بسلاسل التكهين والتعزيم جسداً طاهراً بجيفة منتنة، جامعاً في قبضة الشريعة الفاسدة روحاً سماوية بذات ترابية، واضعاً في صدر الليل.. هذا كل ما أستطيع أن أقوله لك الآن عن فارس كرامة وابنته فلا تسلني أكثر من ذلك لأن ذكر المصيبة يدنيها مثلما يقرب الموت الخوف من الموت.".
وحول صديقي وجهه ونظر من النافذة إلى الفضاء كأنه يبحث عن أسرار الأيام والليالي بين دقائق الأثير.
فقمت إذا ذاك من مكاني ولما أخذت يده مودعاً قلت له: "غداً أزور فارس كرامة قياماً بوعدي له واحتراماً للذكريات التي أبقتها صداقته لوالدي".
فبهت بي الشاب دقيقة وقد تغيرت ملامحه كأن كلماتي القليلة البسيطة قد أوحت إليه فكراً جديداً هائلاً، ثم نظر في عيني نظرة طويلة غريبة ــ نظرة محبة وشفقة وخوف ــ نظرة نبي يرى في أعماق الأرواح ما لا تعرفه الأرواح، ثم ارتعشت شفتاه قليلاً ولكنه لم يقل شيئاً فتركته وسرت نحو الباب بأفكار متضعضعة، وقبيل أن ألتفت إلى الوراء رأيت عينيه ما زالتا تتبعانني بتلك النظرة الغريبة ــ تلك النظرة التي لم أفهم معانيها حتى عتقت نفسي من عالم المقاييس والكمية وطارت إلى مسارح الملأ الأعلى حيث تتفاهم القلوب بالنظرات وتنمو الأرواح بالتفاهم.




يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عطر الشهداء



عدد الرسائل : 10
تاريخ التسجيل : 16/11/2008

مُساهمةموضوع: رد: الأجنحة المتكسرة _جبران خليل جبران   الأحد نوفمبر 16, 2008 2:32 am

4- في باب الهيكل


وبعد أيام وقد مللت الوحدة، وتعبت أجفاني من النظر إلى أوجه الكتب العابسة علوت مركبة طالباً منزل فارس كرامة، حتى إذا ما بلغت بي غابة الصنوبر حيث يذهب القوم للتنزه، حول السائق وجهة فرسيه عن الطريق العمومية فسار خبباً على ممر تظلله أشجار الصفصاف وتتمايل على جانبيه الأعشاب والدوالي المتعرشة وأزاهر نيسان المبتسمة بثغور حمراء كالياقوت وزرقاء كالزمرد وصفراء كالذهب.
وبعد دقيقة وقفت المركبة أمام منزل منفرد تحيط به حديقة مترامية الأطراف تتعانق في جوانبها الأغصان وتعطر فضاءها رائحة الورد والفل والياسمين.
ما سرت بضع خطوات في تلك الحديقة حتى ظهر فارس كرامة في باب المنزل خارجاً للقائي كأن هدير المركبة في تلك البقعة المنفردة قد أعلن له قدومي ــ فهشّ متأهلاً وقادني مترحباً إلى داخل الدار ونظير والد مشتاق أجلسني بقربه يحدثني مستفسراً عن ماضيّ مستطلعاً مقاصدي في مستقبلي.. فكنت أجيبه بتلك اللهجة المفعمة بنغمة الأحلام والأماني التي يترنم بها الفتيان قبل أن تقذفهم أمواج الخيال إلى شاطئ العمل حيث الجهاد والنزاع.. للشبيبة أجنحة ذات ريش من الشعر وأعصاب من الأوهام ترتفع بالفتيان إلى ما وراء الغيوم فيرون الكيان مغموراً بأشعة متلونة بألوان قوس القزح ويسمعون الحياة مرتلة أغاني المجد والعظمة، ولكن تلك الأجنحة الشعرية لا تلبث أن تمزقها عواصف الاختبار فيهبطون إلى عالم الحقيقة ــ وعالم الحقيقة مرآة غريبة يرى فيها المرء نفسه مصغرة مشوهة.
في تلك الدقيقة ظهرت من ستائر الباب المخملية صبية ترتدي ثوباً من الحرير الأبيض الناعم ومشت نحوي ببطء، فوقفت ووقف الشيخ قائلاً: "هذه ابنتي سلمى" وبعد أن لفظ اسمي شفعه بقوله: "إن ذاك الصديق القديم الذي حجبته عني الأيام قد عادت وأبانته لي بشخص ابنه فأنا أراه الآن ولا أراه" فتقدمت الصبية إليّ وأحدقت بعيني هنيهة كأنها تريد أن تستنطقهما عن حقيقة أمري، وتعلم منهما أسباب مجيئي إلى ذلك المكان، ثم أخذت يدي بيد تضارع زنبقة الحقل بياضاً ونعومة، فأحسست عند ملامسة الأكف بعاطفة غريبة جديدة أشبه شيء بالفكر الشعري عند ابتداء تكوينه في مخيلة الكاتب.
جلسنا جميعاً ساكتين كأن سلمى قد أدخلت معها إلى تلك الغرفة روحاً علوية توعز الصمت والتهيب، وكأنها شعرت بذلك فالتفتت نحوي وقالت مبتسمة: "كثيراً ما حدثني والدي عن أبيك معيداً على مسمعي حكايات شبابهما، فإن كان والدك قد أسمعك بتلك الوقائع لا يكون هذا اللقاء هو الأول بيننا".
فسر الشيخ بكلمات ابنته وانبسطت ملامحه ثم قال: "إن سلمى روحية الأميال والمذاهب فهي ترى جميع الأشياء سابحة في عالم النفس".
وهكذا عاد فارس كرامة إلى محادثتي باهتمام كلي، ورقة متناهية كأنه وجد فيّ سراً سحرياً يرجعه على أجنحة الذكرى إلى ربيع أيامه العابرة.
كان ذلك الشيخ يحدق بي مسترجعاً أشباح شبابه وأنا أتأمله حالماً بمستقبلي. كان ينظر إلي مثلما تخيم أغصان الشجرة العالية المملوءة بمآتي الفصول فوق غرسة صغيرة مفعمة بعزم هاجع وحياة عمياء. شجرة مسنة راسخة الأعراق قد اختبرت صيف العمر وشتاءه ووقفت أمام عواصف الدهر وأنوائه. وغرسة ضعيفة لينة لم تر غير الربيع ولم ترتعش إلا بمرور نسيم الفجر.
أما سلمى فكانت ساكتة تنظر إلي تارة وطوراً إلى أبيها كأنها تقرأ في وجهينا أول فصل من رواية الحياة وآخر فصل منها.
قضى ذلك النهار متنهداً أنفاسه بين تلك الحدائق والبساتين، وغابت الشمس تاركة خيال قبلة صفراء على قمم لبنان المتعالية قبالة ذلك المنزل، وفارس كرامة يتلو عليّ أخباره فيذهلني وأنا أترنم أمامه بأغاني شبيبتي فأطربه، وسلمى جالسة بقرب تلك النافذة تنظر إليها بعينيها الحزينتين ولا تتحرك، وتسمع أحاديثنا ولا تتكلم كأنها عرفت أن للجمال لغة سماوية تترفع عن الأصوات والمقاطيع التي تحدثها الشفاه والألسنة. لغة خالدة تضم إليها جميع أنغام البشر، وتجعلها شعوراً صامتاً مثلما تجتذب البحيرة الهادئة أغاني السواقي إلى أعماقها وتجعلها سكوتاً أبدياً. إن الجمال سر تفهمه أرواحنا وتفرح به وتنمو بتأثيراته، أما أفكارنا فتقف أمامه محتارة محاولة تحديده وتجسيده بالألفاظ ولكنها لا تستطيع ــ هو سيال خاف عن العين يتموج بين عواطف الناظر وحقيقة المنظور. الجمال الحقيقي هو أشعة تنبعث من قدس أقداس النفوس وتنير خارج الجسد مثلما تنبثق الحياة من أعماق النواة وتكسب الزهرة لوناً وعطراً ــ هو تفاهم كلي بين الرجل والمرأة يتم بلحظة وبلحظة يولد ذلك الميل المترفع عن جميع الأميال. ذلك الانعطاف الروحي ندعوه حباً. فهل فهمت روحي روح سلمى في عشية النهار فجعلني التفاهم أن أراها أجمل امرأة أمام الشمس، أم هي سكرة الشبيبة التي تجعلنا نتخيل رسوماً وأشباحاً لا حقيقة لها؟ هل أعمتني الفتوة فتوهمت الأشعة في عيني سلمى والحلاوة في ثغرها والرقة في قدها، أم هي تلك الأشعة وتلك الحلاوة وتلك الرقة التي فتحت عيني لتريني أفراح الحب وأحزانه؟ لا أدري ولكني أعلم بأنني شعرت بعاطفة لم أشعر بها قبل تلك الساعة. عاطفة جديدة تمايلت حول قلبي بهدوء يشابه رفرفة الروح على وجه الغمر قبل أن تبتدئ الدهور. ومن تلك العاطفة قد تولدت سعادتي وتعاستي مثلما ظهرت وتنساخت الكائنات بإرادة ذلك الروح.
هكذا انقضت تلك الساعة التي جمعتني بسلمى للمرة الأولى وهكذا شاءت السماء وعتقتني على حين غفلة من عبودية الحيرة والحداثة لأسير حراً في موكب المحبة، فالمحبة هي الحرية الوحيدة في هذا العالم لأنها ترفع النفس إلى مقام سام لا تبلغه شرائع البشر وتقاليدهم، ولا تسود عليه نواميس الطبيعة وأحكامها.
ولما وقفت للانصراف اقترب مني فارس كرامة وقال بصوت تعانقه رنة الإخلاص: "الآن وقد عرفت الطريق إلى هذا المنزل يجب أن تأتي إليه شاعراً بالثقة التي تقودك إلى بيت أبيك وأن تحتسبني وسلمى كوالد وأخت لك ــ أليس كذلك يا سلمى؟"
فأحنت سلمى رأسها إيجاباً ثم نظرت إليّ نظرة غريب ضائع وجد رفيقاً يعرفه.
إن تلك الكلمات التي قالها لي فارس كرامة هي النغمة الأولى التي أوقفتني بجانب ابنته أمام عرش المحبة. هي استهلال الأغنية السماوية التي انتهت بالندب والرثاء ــ هي القوة التي شجعت روحينا فاقتربنا من النور والنار. هي الإناء الذي شربنا فيه الكوثر والعلقم.
وخرجت فشيعني الشيخ إلى أطراف الحديقة فودعتهما وقلبي يخفق في داخلي مثلما ترتعش شفتا العطشان بملامسة حافة الكأس


يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عطر الشهداء



عدد الرسائل : 10
تاريخ التسجيل : 16/11/2008

مُساهمةموضوع: رد: الأجنحة المتكسرة _جبران خليل جبران   الأحد نوفمبر 16, 2008 2:33 am

5_الشعلة البيضاء


وانقضى نيسان وأنا أزور منزل فارس كرامة وألتقي بسلمى وأجلس قبالها في تلك الحديقة متأملاً محاسنها، معجباً بمواهبها، مصغياً لسكينة كآبتها، شاعراً بوجود آياد خفية تجتذبني إليها. فكل زيارة كانت تبين لي معنى جديداً من معاني جمالها وسراً علوياً من أسرار روحها حتى أصبحت أمام عينيّ كتاباً أقرأ سطوره وأستظهر آياته وأترنم بنغمته ولا أستطيع الوصول إلى نهايته.
إن المرأة التي تمنحها الآلهة جمال النفس مشفوعاً بجمال الجسد هي حقيقة ظاهرة غامضة نفهمها بالمحبة ونلمسها بالطهر، وعندما نحاول وصفها بالكلام تختفي عن بصائرنا وراء ضباب الحيرة والالتباس. وسلمى كرامة كانت جميلة النفس والجسد فكيف أصفها لمن لا يعرفها؟ هل يستطيع الجالس في ظل أجنحة الموت أن يستحضر تغريدة البلبل وهمس الوردة وتنهدة الغدير؟ أيقدر الأثير المثقل بالقيود أن يلاحق هبوط نسمات الفجر؟ ولكن أليس السكوت أصعب من الكلام؟ وهل يمنعني التهيب عن إظهار خيال من خيالات سلمى بالألفاظ الواهية إذا كنت لا أستطيع أن أرسم حقيقتها بخطوط من الذهب؟ إن الجائع السائر في الصحراء لا يأبى أكل الخبز اليابس إذا كانت السماء لا تمطره المن والسلوى.
كانت سلمى نحيلة الجسم تظهر بملابسها البيضاء الحريرية كأشعة قمر دخلت من النافذة. وكانت حركاتها بطيئة متوازنة أشبه شيء بمقاطيع الألحان الأصفهانية، وصوتها منخفضاً حلواً تقطعه التنهدات فينسكب من بين شفتيها القرمزيتين مثلما تتساقط قطرات الندى عن تيجان الزهور بمرور تموجات الهواء. ووجهها ــ ومن يا ترى يستطيع أن يصف وجه سلمى كرامة؟ بأية ألفاظ نقدر أن نصور وجهاً حزيناً هادئاً محجوباً وليس محجوباً بنقاب من الاصفرار الشفاف؟ بأية لغة نقدر أن نتكلم عن ملامح تعلن في كل دقيقة سراً من أسرار النفس الكبيرة المتألمة في داخل الجسد، وتذكر الناظرين إليها بعالم روحي بعيد عن هذا العالم؟ إن الجمال في وجه سلمى لم يكن منطبقاً على المقاييس التي وضعها البشر للجمال، بل كان غريباً كالحلم أو كالرؤيا أو كفكر علوي لا يقاس ولا يحد ولا يتسخ بريشة المصور، ولا يتجسم برخام الحفار. جمال سلمى لم يكن في شعرها الذهبي بل في هالة الطهر المحيطة به. ولم يكن في عينيها الكبيرتين بل في النور المنبعث منهما. ولا في شفتيها الورديتين بل في الحلاوة السائلة عليهما. ولا في عنقها العاجي بل في كيفية انحنائه قليلاً إلى الأمام. جمال سلمى لم يكن في كمال جسدها بل في نبالة روحها الشبيهة بشعلة بيضاء متقدة سابحة بين الأرض واللانهاية. جمال سلمى كان نوعاً من النبوغ الشعري الذي نشاهد أشباحه في القصائد السامية والرسوم والأنغام الخالدة، وأصحاب النبوغ تعساء مهما تسامت أرواحهم تظل مكتنفة بغلاف من الدموع.
وكانت سلمى كثيرة التفكير قليلة الكلام، ولكن سكوتها كان موسيقياً ينتقل بجليسها إلى مسارح الأحلام البعيدة، ويجعله أن يصغي لنبضات قلبه ويرى خيالات أفكاره وعواطفه منتصبة أمام عينيه.
أما الصفة التي كانت تعانق مزايا سلمى وتساور أخلاقها فهي الكآبة العميقة الجارحة، فالكآبة كانت وشاحاً معنوياً ترتديه فتزيد محاسن جسدها هيبة وغرابة، وتظهر أشعة نفسها من خلال خيوطه كخيوط شجرة مزهرة من وراء ضباب الصباح.
وقد أوجدت الكآبة بين روحي وروح سلمى صلة المشابهة فكان كلانا يرى في وجه الثاني ما يشعر به قلبه ويسمع صوته صدى مخبآت صدره فكأن الآلهة قد جعلت كل واحد منا نصفاً للآخر يلتصق به بالطهر فيصير إنساناً كاملاً، وينفصل عنه فيشعر بنقص موجع في روحه.
إن النفس الحزينة المتألمة تجد راحة بانضمامها إلى نفس أخرى تماثلها بالشعور وتشاركها بالإحساس مثلما يستأنس الغريب بالغريب في أرض بعيدة عن وطنيهما ــ فالقلوب التي تدنيها أوجاع الكآبة بعضها مع بعض لا تفرقها بهجة الأفراح وبهرجتها، فرابطة الحزن أقوى في النفوس من روابط الغبطة والسرور؛ والحب الذي تغسله العيون بدموعها يظل طاهراً وجميلاً وخالداً.


يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عطر الشهداء



عدد الرسائل : 10
تاريخ التسجيل : 16/11/2008

مُساهمةموضوع: رد: الأجنحة المتكسرة _جبران خليل جبران   الأحد نوفمبر 16, 2008 2:39 am

6-العاصفة


وبعد أيام دعاني فارس كرامة إلى تناول العشاء في منزله، فذهبت ونفسي جائعة إلى ذلك الخبز العلوي الذي وضعته السماء بين يدي سلمى ــ ذلك الخبز الروحي الذي نلتهمه بأفواه أفئدتنا فتزداد جوعاً ــ ذلك الخبز السحري الذي ذاق طعمه قيس العربي ودانتي الطلياني وسافو اليونانية فالتهبت أحشاؤهم وذابت قلوبهم ــ ذلك الخبز الذي عجنته الآلهة بحلاوة القبل ومرارة الدموع وأعدته مأكلاً للنفوس الحساسة المستيقظة لتفرحها بطعمه وتعذبها بتأثيره.
ولما بلغت المنزل وجدت سلمى جالسة على مقعد خشبي في زاوية من الحديقة وقد أسندت رأسها إلى عمد شجرة، فبانت بثوبها الأبيض كواحدة من عرائس الخيال تخفر ذلك المكان. فدنوت منها صامتاً وجلست بقربها جلوس مجوسي متهيب أمام النار المقدسة. ولما حاولت الكلام وجدت لساني منعقداً وشفتي جامدتين فاستأنست بالسكوت لأن الشعور العميق غير المتناهي يفقد شيئاً من خاصته المعنوية عندما يتجسم بالألفاظ المحدودة. ولكنني شعرت بأن سلمى كانت تسمع في السكينة مناجاة قلبي المتواصلة، وتشاهد في عيني أشباح نفسي المرتعشة.
وبعد هنيهة خرج فارس كرامة إلى الحديقة ومشى نحونا مرحباً بي كعادته باسطاً يده إلي كأنه يريد أن يبارك بها ذلك السر الخفي الذي يربط روحي بروح ابنته ثم قال مبتسماً (هلما يا ولديّ إلى العشاء فالطعام ينتظرنا) فقمنا وتبعناه وسلمى تنظر إلى من وراء أجفان مكحولة بالرقة والانعطاف كأن لفظة "يا ولدي" قد أيقظت في داخلها شعوراً جديداً عذباً يكتنف محبتها لي مثلما تحتضن الأم طفلها.
جلسنا إلى المائدة نأكل ونشرب ونتحدث ــ جلسنا في تلك الغرفة نتلذذ بألوان الطعام الشهية وأنواع الخمور المعتقة، وأرواحنا تسبح على غير معرفة منا في عالم بعيد عن هذا العالم، وتحلم بمآتي المستقبل ونتأهب للوقوف أمام مخاوفه وأهواله. ثلاثة أشخاص تختلف أفكارهم باختلاف مقاصدهم من الحياة وتتفق سرائرهم باتفاق قلوبهم بالمودة والمحبة، ثلاثة من الضعفاء الأبرياء يشعرون كثيراً ويعرفون قليلاً وهذه هي المأساة المستتبة على مرسح النفس. شيخ جليل شريف يحب ابنته ولا يحفل بغير سعادتها ــ وصبية في العشرين من عمرها ترى المستقبل قريباً بعيداً وتحدق به لترى ما يخبئ لها من الغبطة والشقاء ــ وفتى كثير الأحلام والهواجس لم يذق بعد خمر الحياة ولا خلها. يحرك جناحيه ليطير سابحاً في فضاء المحبة والمعرفة ولكنه لا يستطيع النهوض لضعفه. ثلاثة جالسون حول مائدة أنيقة في منزل منفرد عن المدينة تخيم عليه سكينة الدجى وتحدق به عيون السماء. ثلاثة يأكلون ويشربون وفي أعماق صحونهم وكؤوسهم قد أخفى القدر المرارة والأشواك.
ولم ننته من العشاء حتى دخلت علينا إحدى الخادمات وخاطبت فارس كرامة قائلة: "في الباب رجل يطلب مقابلتك يا سيدي".
فسألها بسرعة "من هو هذا الرجل". فأجابت: "أظنه خادم المطران يا سيدي". فسكت دقيقة وأحدق بعيني ابنته نظير نبي ينظر إلى وجه السماء ليرى ما تخبئه من الأسرار. ثم التفت نحو الخادمة وقال "دعيه يدخل".
فعادت الخادمة وبعد هنيهة ظهر رجل بأثواب مزركشة وشارب معكوف الطرفين فسلم منحنياً وخاطب فارس كرامة قائلاً "قد بعثني سيادة المطران بمركبته الخصوصية لأطلب إليك أن تتكرم بالذهاب إليه فهو يريد أن يباحثك بأمور ذات أهمية".
فانتصب الشيخ وقد تغيرت ملامحه وانحجبت بشاشة وجهه وراء نقاب من التأمل والتفكير ثم اقترب مني وقال بصوت تساوره الرقة والحلاوة "أرجو أن أعود وألقاك هنا، فسلمى ستجد بك مؤنساً يبعد بأحاديثه وحشة الليل، ويزيل بأنغام نفسه تأثير الوحدة والانفراد" ثم التفت نحو ابنته وزاد مبتسماً "أليس كذلك يا سلمى؟".
فأحنت الصبية رأسها وقد توردت وجنتاها قليلاً وبصوت يضارع نغمة الناي رقة قالت "سوف أجهد النفس لكي أجعل ضيفنا مسروراً يا والدي".
وخرج الشيخ مصحوباً بخادم المطران، وظلت سلمى واقفة تنظر من النافذة نحو الطريق حتى اختفت المركبة عن بصرها وراء ستائر الظلام، واضمحل ارتجاج الدواليب بتباعد المسافة وتشرب السكون حرتقة سنابك الخيل ثم جلست قبالتي على مقعد موشى بنسيج من الحرير الأخضر فبانت بأثوابها الناصعة كزنبقة لوت قامتها نسمات الصباح على بساط من الأعشاب.
ومرت دقائق وكلانا صامت حائر مفتكر يترقب الآخر ليبدأ بالكلام. ولكن هل هو الكلام الذي يحدث التفاهم بين الأرواح المتحابة؟ هل هي الأصوات والمقاطيع الخارجة من الشفاه والألسنة التي تقرب بين القلوب والعقول؟ أفلا يوجد شيء أسمى مما تلده الأفواه وأطهر مما تهتز به أوتار الحناجر؟ أليست هي السكينة التي تحمل شعاع النفس إلى النفس وتنقل همس القلب إلى القلب؟
أليست هي السكينة التي تفصلنا عن ذواتنا فنسبح في فضاء الروح غير المحدود مقتربين من الملأ الأعلى شاعرين بأن أجسادنا لا تفوق السجون الضيقة وهذا العالم لا يمتاز عن المنفى البعيد؟
ونظرت سلمى إلي وقد باحت أجفانها بسرائر نفسها ثم قالت بهدوء سحري "تعال نخرج إلى الحديقة ونجلس بين الأشجار لنرى القمر طالعاً من وراء الجبل".
فوقفت مطيعاً وقلت ممانعاً "أليس الأفضل أن نبقى ههنا يا سلمى حتى يطلع القمر وينير الحديقة؟ أما الآن فالظلام يحجب الأشجار والأزهار فلا نستطيع أن نرى شيئاً فأجابت "إذا حجب الظلام الأشجار والرياحين عن العين فالظلام لا يحجب الحب عن النفس".
قالت هذه الكلمات بلهجة غريبة ثم حولت عينيها ونظرت نحو النافذة فبقيت أنا صامتاً مفكراً بكلماتها مورداً لكل مقطع معنى راسماً لكل معنى حقيقة. ثم عادت وأحدقت بي كأنها ندمت على ما قالت فحاولت استرجاع كلماتها من أذني بسحر أجفانها. ولكن سحر تلك الأجفان لم يسترجع تلك الألفاظ إلا ليعيدها إلى أعماق صدري أكثر وضوحاً وأشد تأثيراً وليبيقها هناك ملتصقة بقلبي متوجة مع عواطفي إلى آخر الحياة.
كل شيء عظيم وجميل في هذا العالم يتولد من فكر واحد أو من حاسة واحدة في داخل الإنسان. كل ما نراه اليوم من أعمال الأجيال الغابرة كان قبل ظهوره فكراً في عاقلة رجل أو عاطفة لطيفة في صدر امرأة.. الثورات التي أجرت الدماء كالسواقي وجعلت الحرية تعبد كالآلهة كانت فكراً خيالياً مرتعشاً بين تلافيف دماغ رجل فرد عاش بين ألوف من الرجال. الحروب الموجعة التي ثلت العروش وخربت الممالك كانت خاطراً يتمايل في رأس رجل واحد. التعاليم السامية التي غيرت مسير الحياة البشرية كانت ميلاً شعرياً في نفس رجل واحد منفصل بنبوغه عن محيطه. فكر واحد أقام الأهرام وعاطفة واحدة خربت طروادة وخاطر واحد أوجد مجد الإسلام وكلمة واحدة أحرقت مكتبة الإسكندرية.

فكر واحد يجيئك في سكينة الليل ويسير بك إلى المجد أو إلى الجنون. نظرة واحدة من أطراف أجفان امرأة تجعلك أسعد الناس أو أتعسهم. كلمة واحد تخرج من بين شفتي رجل تصيرك غنياً بعد الفقر أو فقيراً بعد الغنى.. كلمة واحد لفظتها سلمى كرامة في تلك الليلة الهادئة أوقفتني بين ماضيّ ومستقبلي وقوف سفينة بين لجة البحار وطبقات الفضاء. كلمة واحدة معنوية قد أيقظتني من سبات الحداثة والخلو وسارت بأيامي على طريق جديدة إلى مسارح الحب حيث الحياة والموت.
خرجنا إلى الحديقة وسرنا بين الأشجار شاعرين بأصابع النسيم الخفية تلامس وجهينا وقامات الأزهار والأعشاب اللدنة تتمايل بين أقدامنا، حتى إذا ما بلغنا شجرة الياسمين جلسنا صامتين على ذلك المقعد الخشبي نسمع تنفس الطبيعة النائمة ونكشف بحلاوة التنهد خفايا صدرينا أمام عيون السماء الناظرة إلينا من وراء زرقة السماء.
وطلع القمر إذا ذاك من وراء صنين وغمر بنوره تلك الروابي والشواطئ فظهرت القرى على أكتاف الأودية كأنها قد انبثقت من اللاشيء. وبات لبنان جميعه من تحت تلك الأشعة الفضية كأنه فتى متكئ على ساعده تحت نقاب لطيف يخفي أعضاءه ولا يخفيها.
لبنان عند شعراء الغرب مكان خيالي، قد اضمحلت حقيقته بذهاب داود وسليمان والأنبياء مثلما انحجبت جنة عدن بسقوط آدم وحواء. هو لفظة شعرية لا اسم لجبل ــ لفظة ترمز عن عاطفة في النفس وتستحضر إلى الفكر رسوم غابات من الأرز يفوح منها العطر والبخور، وأبراج النحاس والرخام تتعالى بالمجد والعظمة، وأسراب من الغزلان تتهادى بين الطلول والأودية، وأنا قد رأيت لبنان في تلك الليلة مثل فكر شعري خيالي منتصب كالحلم بين اليقظة واليقظة.
كذا تتغير الأشياء أمام أعيننا بتغيير عواطفنا، وهكذا نتوهم الأشياء متشحة بالسحر والجمال عندما لا يكون السحر والجمال إلا في نفوسنا.
والتفتت إليّ سلمى وقد غمر نور القمر وجهها وعنقها ومعصميها فبانت كتمثال من العاج نحتته أصابع متعبد لعشتروت ربة الحسن والمحبة "لماذا لا تتكلم ــ لماذا لا تحدثني عن ماضي حياتك؟".
فنظرت إلى عينيها المنيرتين ومثل أخرس فاجأ النطق شفتيه أجبتها قائلاً "ألم تسمعي متكلماً مذ جئت إلى هذا المكان ــ أو لم تسمعي كل ما قلته مذ خرجنا إلى الحديقة؟ إن نفسك التي تسمع همس الأزهار وأغاني السكينة تستطيع أن تسمع صراخ روحي وضجيج قبلي".
فحجبت وجهها بيديها ثم قالت بصوت متقطع "قد سمعتك. نعم سمعتك.. سمعت صوتاً صارخاً خارجاً من أحشاء الليل وضجة هائلة منبثقة من قلب النهار".
فقلت بسرعة وقد نسيت ماضي حياتي ونسيت كياني ونسيت كل شيء ولم أعرف سوى سلمى ولا أشعر بغير وجودها "وأنا قد سمعتك يا سلمى ــ سمعت نغمة عظيمة محيية جارحة تتموج لها دقائق الفضاء وتهتز بارتعاشها أسس الأرض".

يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عطر الشهداء



عدد الرسائل : 10
تاريخ التسجيل : 16/11/2008

مُساهمةموضوع: رد: الأجنحة المتكسرة _جبران خليل جبران   الأحد نوفمبر 16, 2008 2:40 am

فأغمضت سلمى أجفانها وظهر على شفتيها القرمزيتين خيال ابتسامة محزنة ثم همست قائلة "قد عرفت الآن بأنه يوجد شيء أعلى من السماء، وأعمق من البحر، وأقوى من الحياة والموت والزمن. قد عرفت الآن ما لم أكن أعرفه بالأمس ولا أحلم به".
منذ تلك الدقيقة صارت سلمى كرامة أعز من صديق وأقرب من الأخت وأحب من الحبيبة. صارت فكراً سامياً يتبع عاقلتي وعاطفة رقيقة تكتنف قلبي وحلماً جميلاً يجاور نفسي.
ما أجهل الناس الذين يتوهمون أن المحبة تتولد بالمعاشرة الطويلة والمرافقة المستمرة. إن المحبة الحقيقية هي ابنة التفاهم الروحي وإن لم يتم هذا التفاهم بلحظة واحدة لا يتم بعام ولا بجيل كامل.
ورفعت سلمى رأسها ونظرت نحو الأفق البعيد حيث تلتقي خطوط صنين بأذيال الفضاء ثم قالت "لقد كنت لي بالأمس مثل أخ اقترب منه مطمئنة وأجلس بجانبه في ظلال والدي. أما الآن فقد شعرت بوجود أقوى وأعذب من العلاقة الأخوية. قد شعرت بعاطفة غريبة مجردة من كل علاقة. عاطفة قوية عميقة مخيفة لذيذة تملأ قلبي حزناً وفرحاً".
فأجبتها "أليست هذه العاطفة التي نخافها ونرتجف لمرورها في صدورنا جزءاً من الناموس الكلي الذي يسيّر القمر حول الأرض والأرض حول الشمس والشمس وما يحيط بها حول الله؟".
فوضعت يدها على رأسي وغرست أصابعها بشعري وقد تهلل وجهها وترقرقت الدموع في عينيها مثلما تلمع قطرات الندى على أطراف أوراق النرجس ثم قالت "مَن من البشر يصدق حكايتنا ــ مَن منهم يصدق بأننا في الساعة التي تجيء بين غروب الشمس وطلوع القمر قد قطعنا العقبات واجتزنا المعابر الكائنة بين الشك واليقين. مَن منهم يعتقد بأن نيسان الذي جمعنا لأول مرة هو الشهر الذي أوقفنا في قداس أقداس الحياة؟".
قالت هذه الكلمات ويدها ما برحت على رأسي المنحني ولو تخيرت في تلك الدقيقة لما فضلت تيجان الملوك وأكاليل الغار على تلك اليد الحريرية المتلاعبة بشعري ــ ثم أجبتها قائلاً "إن البشر لا يصدقون حكايتنا لأنهم لا يعلمون بأن المحبة هي الزهرة الوحيدة التي تنبت بغير معاونة الفصول. ولكن هل هو نيسان الذي جمعنا لأول مرة وهل هي هذه الساعة التي أوقفتنا في قدس أقداس الحياة؟ أما جمعت روحينا قبضة الله قبل أن تصيرنا الولادة أسيري الأيام والليالي؟ إن حياة الإنسان يا سلمى لا تبتدئ في الرحم كما أنها لا تنتهي أمام القبر، وهذا الفضاء الوسيع المملوء بأشعة القمر والكواكب لا يخلو من الأرواح المتعانقة بالمحبة والنفوس المتضامنة بالتفاهم".
ورفعت سلمى يدها بلطف عن رأسي تاركة بين مغارس الشعر تموجات كهربائية يتلاعب بها نسيم الليل فيزيدها نمواً وحراكاً. فأخذت تلك اليد براحتي نظير متعبد يتبرك بلثم المذبح ووضعتها على شفتي الملتهبتين وقبلتها قبلة طويلة عميقة خرساء تذيب بحرارتها كل ما في القلب البشري من الإحساس، وتنبه بعذوبتها كل ما في النفس الإلهية من الطهر.
ومرت علينا ساعة كل دقيقة منها شغف ومحبة تساورنا سكينة الليل وتغمرنا أشعة القمر وتحيط بنا الأشجار والرياحين حتى إذا ما بلغنا تلك الحالة التي ينسى فيها الإنسان كل شيء سوى حقيقة الحب سمعنا وقع حوافر وهدير مركبة تقترب منا مسرعة فانتبهنا من تلك الغيبوبة اللذيذة وهبطت بنا اليقظة من عالم الأحلام إلى هذا العالم الواقف بمسيره بين الحيرة والشقاء فعرفنا بأن الوالد الشيخ قد عاد من دار المطران فنهضنا وسرنا بين الأشجار ننتظر وصوله.
وبلغت المركبة مدخل الحديقة فترجل فارس كرامة وسار نحونا منحني الرأس بطيء الحركة ونظير متعب رازح تحت حمل ثقيل تقدم نحو سلمى ووضع كلتا يديه على كتفيها وأحدق بوجهها طويلاً كأنه يخاف أن تغيب صورتها عن عينيه الضئيلتين. ثم انسكبت دموعه على وجنتيه المتجعدتين وارتجفت شفتاه بابتسامة محزنة وقال بصوت مخنوق "عما قريب يا سلمى، عما قريب تخرجين من بين ذراعي والدك إلى ذراع رجل آخر. عما قريب تسير بك سنة الله من هذا المنزل المفرد إلى ساحة العالم الوسيع فتصبح هذه الحديقة مشتاقة إلى وطء قدميك ويصير والدك غريباً عنك، لقد لفظ القدر كلمته يا سلمى فلتباركك السماء وتحرسك".
سمعت سلمى هذه الكلمات فتغيرت ملامحها وجمدت عيناها كأنها رأت شبح الموت منتصباً أمامها. ثم شهقت وتململت متوجعة كعصفور رماه الصياد فهبط على الحضيض مرتجفاً بآلامه ــ وبصوت تقطعه الغصات العميقة صرخت قائلة "ماذا تقول؟ ماذا تعني؟ إلى أين تريد أن تبعث بي؟".
ثم شخصت به كأنها تريد أن تزيل بنظراتها الغلاف عن مخبآت صدره. وبعد دقيقة مثقلة بعوامل ذلك السكون الشبيه بصراخ القبور قالت متأوهة "قد فهمت الآن... قد عرفت كل شيء... إن المطران قد فرغ من حبك قضبان القفص الذي أعده لهذا الطائر المكسور الجناحين فهل هذه هي إرادتك يا والدي؟".
فلم يجبها بغير التنهدات العميقة ثم أدخلها الدار وأشعة الحنو تنسكب من ملامحه المضطربة. فبقيت أنا واقفاً بين الأشجار والحيرة تتلاعب بعواطفي مثلما تتلاعب العواصف بأوراق الخريف. ثم اتبعتهما إلى القاعة ــ وكي لا أظهر بمظهر طفيلي يميل إلى استطلاع الخصوصيات أخذت يد الشيخ مودعاً ونظرت إلى سلمى نظرة غريق تلفت نحو نجم لامع في قبة الفلك. ثم خرجت دون أن يشعروا بخروجي ولكنني ما بلغت أطراف الحديقة حتى سمعت صوت الشيخ منادياً فالتفت وإذا به يتبعني فعدت إلى لقائه، ولما دنوت منه أمسك بيدي، وقال بصوت مرتعش "سامحني يا بني فقد جعلت ختام ليلتك مكتنفاً بالدموع، ولكنك سوف تجيء إليّ دائماً ــ أليس كذلك. ألا تزورني عندما يصير هذا المكان خالياً إلا من الشيخوخة المحزنة؟ إن الشباب الغض لا يستأنس بالشيخوخة الذابلة كما أن الصباح لا يلتقي المساء ــ أما أنت فسوف تجيء إليّ لتذكرني بأيام الصبا التي صرفتها بقرب أبيك، وتعيد على مسمعي أخبار الحياة التي لم تعد تحسبني من أبنائها.. أليس كذلك؟ ألا تزورني عندما تذهب سلمى، وأصبح وحيداً منفرداً في هذا المنزل البعيد عن المنازل؟"
لفظ الكلمات الأخيرة بصوت منخفض متقطع، ولما أخذت يده وهززتها صامتاً أحسست بقطرات الدموع السخينة قد تساقطت على يدي من أجفانه، فارتعشت نفسي في داخلي وشعرت نحوه بعاطفة بنوية عذبة محزنة تتمايل بين ضلوعي وتتصاعد كاللهاث إلى شفتي ثم تعود كالغصات إلى أعماق قلبي ــ ولما رفعت رأسي ورأى أن دموعه قد استدرت الدموع من أجفاني انحنى قليلاً ولمس بشفتيه المرتجفتين أعالي جبهتي، ثم قال محولاً وجهه نحو باب المنزل "مساء الخير .. مساء الخير يا بني".
إن دمعة واحدة تتلمع عن وجنة شيخ متجعدة لهي أشد تأثيراً في النفس من كل ما تهرقه أجفان الفتيان.
إن دموع الشباب الغزيرة هي مما يفيض من جوانب القلوب المترعة. أما دموع الشيوخ فهي من فضلات العمر تنسكب من الأحداق. هي بقية الحياة في الأجساد الواهنة، الدموع في أجفان الشبيبة كقطرات الندى على أوراق الوردة. أما الدموع على وجنة الشيخوخة فأشبه بأوراق الخريف المصفرة التي تنثرها الأرياح وتذريها عندما يقترب شتاء الحياة.
واختفى فارس كرامة وراء مصارع الباب وخرجت أنا من تلك الحديقة وصوت سلمى يتموج في أذني وجمالها يسير كالخيال أمام عيني ودموع والدها تجف ببطء على يدي. خرجت من ذلك المكان خروج آدم من الفردوس ولكن حواء هذا القلب لم تكن بجانبي لتجعل العالم كله فردوساً. . خرجت شاعراً بأن تلك الليلة التي ولدت فيها ثانية هي الليلة التي لمحت فيها وجه الموت لأول مرة.



يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عطر الشهداء



عدد الرسائل : 10
تاريخ التسجيل : 16/11/2008

مُساهمةموضوع: رد: الأجنحة المتكسرة _جبران خليل جبران   الأحد نوفمبر 16, 2008 2:48 am

7-العاصفة


وبعد أيام دعاني فارس كرامة إلى تناول العشاء في منزله، فذهبت ونفسي جائعة إلى ذلك الخبز العلوي الذي وضعته السماء بين يدي سلمى ــ ذلك الخبز الروحي الذي نلتهمه بأفواه أفئدتنا فتزداد جوعاً ــ ذلك الخبز السحري الذي ذاق طعمه قيس العربي ودانتي الطلياني وسافو اليونانية فالتهبت أحشاؤهم وذابت قلوبهم ــ ذلك الخبز الذي عجنته الآلهة بحلاوة القبل ومرارة الدموع وأعدته مأكلاً للنفوس الحساسة المستيقظة لتفرحها بطعمه وتعذبها بتأثيره.
ولما بلغت المنزل وجدت سلمى جالسة على مقعد خشبي في زاوية من الحديقة وقد أسندت رأسها إلى عمد شجرة، فبانت بثوبها الأبيض كواحدة من عرائس الخيال تخفر ذلك المكان. فدنوت منها صامتاً وجلست بقربها جلوس مجوسي متهيب أمام النار المقدسة. ولما حاولت الكلام وجدت لساني منعقداً وشفتي جامدتين فاستأنست بالسكوت لأن الشعور العميق غير المتناهي يفقد شيئاً من خاصته المعنوية عندما يتجسم بالألفاظ المحدودة. ولكنني شعرت بأن سلمى كانت تسمع في السكينة مناجاة قلبي المتواصلة، وتشاهد في عيني أشباح نفسي المرتعشة.
وبعد هنيهة خرج فارس كرامة إلى الحديقة ومشى نحونا مرحباً بي كعادته باسطاً يده إلي كأنه يريد أن يبارك بها ذلك السر الخفي الذي يربط روحي بروح ابنته ثم قال مبتسماً (هلما يا ولديّ إلى العشاء فالطعام ينتظرنا) فقمنا وتبعناه وسلمى تنظر إلى من وراء أجفان مكحولة بالرقة والانعطاف كأن لفظة "يا ولدي" قد أيقظت في داخلها شعوراً جديداً عذباً يكتنف محبتها لي مثلما تحتضن الأم طفلها.
جلسنا إلى المائدة نأكل ونشرب ونتحدث ــ جلسنا في تلك الغرفة نتلذذ بألوان الطعام الشهية وأنواع الخمور المعتقة، وأرواحنا تسبح على غير معرفة منا في عالم بعيد عن هذا العالم، وتحلم بمآتي المستقبل ونتأهب للوقوف أمام مخاوفه وأهواله. ثلاثة أشخاص تختلف أفكارهم باختلاف مقاصدهم من الحياة وتتفق سرائرهم باتفاق قلوبهم بالمودة والمحبة، ثلاثة من الضعفاء الأبرياء يشعرون كثيراً ويعرفون قليلاً وهذه هي المأساة المستتبة على مرسح النفس. شيخ جليل شريف يحب ابنته ولا يحفل بغير سعادتها ــ وصبية في العشرين من عمرها ترى المستقبل قريباً بعيداً وتحدق به لترى ما يخبئ لها من الغبطة والشقاء ــ وفتى كثير الأحلام والهواجس لم يذق بعد خمر الحياة ولا خلها. يحرك جناحيه ليطير سابحاً في فضاء المحبة والمعرفة ولكنه لا يستطيع النهوض لضعفه. ثلاثة جالسون حول مائدة أنيقة في منزل منفرد عن المدينة تخيم عليه سكينة الدجى وتحدق به عيون السماء. ثلاثة يأكلون ويشربون وفي أعماق صحونهم وكؤوسهم قد أخفى القدر المرارة والأشواك.
ولم ننته من العشاء حتى دخلت علينا إحدى الخادمات وخاطبت فارس كرامة قائلة: "في الباب رجل يطلب مقابلتك يا سيدي".
فسألها بسرعة "من هو هذا الرجل". فأجابت: "أظنه خادم المطران يا سيدي". فسكت دقيقة وأحدق بعيني ابنته نظير نبي ينظر إلى وجه السماء ليرى ما تخبئه من الأسرار. ثم التفت نحو الخادمة وقال "دعيه يدخل".
فعادت الخادمة وبعد هنيهة ظهر رجل بأثواب مزركشة وشارب معكوف الطرفين فسلم منحنياً وخاطب فارس كرامة قائلاً "قد بعثني سيادة المطران بمركبته الخصوصية لأطلب إليك أن تتكرم بالذهاب إليه فهو يريد أن يباحثك بأمور ذات أهمية".
فانتصب الشيخ وقد تغيرت ملامحه وانحجبت بشاشة وجهه وراء نقاب من التأمل والتفكير ثم اقترب مني وقال بصوت تساوره الرقة والحلاوة "أرجو أن أعود وألقاك هنا، فسلمى ستجد بك مؤنساً يبعد بأحاديثه وحشة الليل، ويزيل بأنغام نفسه تأثير الوحدة والانفراد" ثم التفت نحو ابنته وزاد مبتسماً "أليس كذلك يا سلمى؟".
فأحنت الصبية رأسها وقد توردت وجنتاها قليلاً وبصوت يضارع نغمة الناي رقة قالت "سوف أجهد النفس لكي أجعل ضيفنا مسروراً يا والدي".
وخرج الشيخ مصحوباً بخادم المطران، وظلت سلمى واقفة تنظر من النافذة نحو الطريق حتى اختفت المركبة عن بصرها وراء ستائر الظلام، واضمحل ارتجاج الدواليب بتباعد المسافة وتشرب السكون حرتقة سنابك الخيل ثم جلست قبالتي على مقعد موشى بنسيج من الحرير الأخضر فبانت بأثوابها الناصعة كزنبقة لوت قامتها نسمات الصباح على بساط من الأعشاب.
ومرت دقائق وكلانا صامت حائر مفتكر يترقب الآخر ليبدأ بالكلام. ولكن هل هو الكلام الذي يحدث التفاهم بين الأرواح المتحابة؟ هل هي الأصوات والمقاطيع الخارجة من الشفاه والألسنة التي تقرب بين القلوب والعقول؟ أفلا يوجد شيء أسمى مما تلده الأفواه وأطهر مما تهتز به أوتار الحناجر؟ أليست هي السكينة التي تحمل شعاع النفس إلى النفس وتنقل همس القلب إلى القلب؟
أليست هي السكينة التي تفصلنا عن ذواتنا فنسبح في فضاء الروح غير المحدود مقتربين من الملأ الأعلى شاعرين بأن أجسادنا لا تفوق السجون الضيقة وهذا العالم لا يمتاز عن المنفى البعيد؟
ونظرت سلمى إلي وقد باحت أجفانها بسرائر نفسها ثم قالت بهدوء سحري "تعال نخرج إلى الحديقة ونجلس بين الأشجار لنرى القمر طالعاً من وراء الجبل".
فوقفت مطيعاً وقلت ممانعاً "أليس الأفضل أن نبقى ههنا يا سلمى حتى يطلع القمر وينير الحديقة؟ أما الآن فالظلام يحجب الأشجار والأزهار فلا نستطيع أن نرى شيئاً فأجابت "إذا حجب الظلام الأشجار والرياحين عن العين فالظلام لا يحجب الحب عن النفس".
قالت هذه الكلمات بلهجة غريبة ثم حولت عينيها ونظرت نحو النافذة فبقيت أنا صامتاً مفكراً بكلماتها مورداً لكل مقطع معنى راسماً لكل معنى حقيقة. ثم عادت وأحدقت بي كأنها ندمت على ما قالت فحاولت استرجاع كلماتها من أذني بسحر أجفانها. ولكن سحر تلك الأجفان لم يسترجع تلك الألفاظ إلا ليعيدها إلى أعماق صدري أكثر وضوحاً وأشد تأثيراً وليبيقها هناك ملتصقة بقلبي متوجة مع عواطفي إلى آخر الحياة.
كل شيء عظيم وجميل في هذا العالم يتولد من فكر واحد أو من حاسة واحدة في داخل الإنسان. كل ما نراه اليوم من أعمال الأجيال الغابرة كان قبل ظهوره فكراً في عاقلة رجل أو عاطفة لطيفة في صدر امرأة.. الثورات التي أجرت الدماء كالسواقي وجعلت الحرية تعبد كالآلهة كانت فكراً خيالياً مرتعشاً بين تلافيف دماغ رجل فرد عاش بين ألوف من الرجال. الحروب الموجعة التي ثلت العروش وخربت الممالك كانت خاطراً يتمايل في رأس رجل واحد. التعاليم السامية التي غيرت مسير الحياة البشرية كانت ميلاً شعرياً في نفس رجل واحد منفصل بنبوغه عن محيطه. فكر واحد أقام الأهرام وعاطفة واحدة خربت طروادة وخاطر واحد أوجد مجد الإسلام وكلمة واحدة أحرقت مكتبة الإسكندرية.

فكر واحد يجيئك في سكينة الليل ويسير بك إلى المجد أو إلى الجنون. نظرة واحدة من أطراف أجفان امرأة تجعلك أسعد الناس أو أتعسهم. كلمة واحد تخرج من بين شفتي رجل تصيرك غنياً بعد الفقر أو فقيراً بعد الغنى.. كلمة واحد لفظتها سلمى كرامة في تلك الليلة الهادئة أوقفتني بين ماضيّ ومستقبلي وقوف سفينة بين لجة البحار وطبقات الفضاء. كلمة واحدة معنوية قد أيقظتني من سبات الحداثة والخلو وسارت بأيامي على طريق جديدة إلى مسارح الحب حيث الحياة والموت.
خرجنا إلى الحديقة وسرنا بين الأشجار شاعرين بأصابع النسيم الخفية تلامس وجهينا وقامات الأزهار والأعشاب اللدنة تتمايل بين أقدامنا، حتى إذا ما بلغنا شجرة الياسمين جلسنا صامتين على ذلك المقعد الخشبي نسمع تنفس الطبيعة النائمة ونكشف بحلاوة التنهد خفايا صدرينا أمام عيون السماء الناظرة إلينا من وراء زرقة السماء.
وطلع القمر إذا ذاك من وراء صنين وغمر بنوره تلك الروابي والشواطئ فظهرت القرى على أكتاف الأودية كأنها قد انبثقت من اللاشيء. وبات لبنان جميعه من تحت تلك الأشعة الفضية كأنه فتى متكئ على ساعده تحت نقاب لطيف يخفي أعضاءه ولا يخفيها.
لبنان عند شعراء الغرب مكان خيالي، قد اضمحلت حقيقته بذهاب داود وسليمان والأنبياء مثلما انحجبت جنة عدن بسقوط آدم وحواء. هو لفظة شعرية لا اسم لجبل ــ لفظة ترمز عن عاطفة في النفس وتستحضر إلى الفكر رسوم غابات من الأرز يفوح منها العطر والبخور، وأبراج النحاس والرخام تتعالى بالمجد والعظمة، وأسراب من الغزلان تتهادى بين الطلول والأودية، وأنا قد رأيت لبنان في تلك الليلة مثل فكر شعري خيالي منتصب كالحلم بين اليقظة واليقظة.
كذا تتغير الأشياء أمام أعيننا بتغيير عواطفنا، وهكذا نتوهم الأشياء متشحة بالسحر والجمال عندما لا يكون السحر والجمال إلا في نفوسنا.


يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عطر الشهداء



عدد الرسائل : 10
تاريخ التسجيل : 16/11/2008

مُساهمةموضوع: رد: الأجنحة المتكسرة _جبران خليل جبران   الأحد نوفمبر 16, 2008 2:49 am

والتفتت إليّ سلمى وقد غمر نور القمر وجهها وعنقها ومعصميها فبانت كتمثال من العاج نحتته أصابع متعبد لعشتروت ربة الحسن والمحبة "لماذا لا تتكلم ــ لماذا لا تحدثني عن ماضي حياتك؟".
فنظرت إلى عينيها المنيرتين ومثل أخرس فاجأ النطق شفتيه أجبتها قائلاً "ألم تسمعي متكلماً مذ جئت إلى هذا المكان ــ أو لم تسمعي كل ما قلته مذ خرجنا إلى الحديقة؟ إن نفسك التي تسمع همس الأزهار وأغاني السكينة تستطيع أن تسمع صراخ روحي وضجيج قبلي".
فحجبت وجهها بيديها ثم قالت بصوت متقطع "قد سمعتك. نعم سمعتك.. سمعت صوتاً صارخاً خارجاً من أحشاء الليل وضجة هائلة منبثقة من قلب النهار".
فقلت بسرعة وقد نسيت ماضي حياتي ونسيت كياني ونسيت كل شيء ولم أعرف سوى سلمى ولا أشعر بغير وجودها "وأنا قد سمعتك يا سلمى ــ سمعت نغمة عظيمة محيية جارحة تتموج لها دقائق الفضاء وتهتز بارتعاشها أسس الأرض".
فأغمضت سلمى أجفانها وظهر على شفتيها القرمزيتين خيال ابتسامة محزنة ثم همست قائلة "قد عرفت الآن بأنه يوجد شيء أعلى من السماء، وأعمق من البحر، وأقوى من الحياة والموت والزمن. قد عرفت الآن ما لم أكن أعرفه بالأمس ولا أحلم به".
منذ تلك الدقيقة صارت سلمى كرامة أعز من صديق وأقرب من الأخت وأحب من الحبيبة. صارت فكراً سامياً يتبع عاقلتي وعاطفة رقيقة تكتنف قلبي وحلماً جميلاً يجاور نفسي.
ما أجهل الناس الذين يتوهمون أن المحبة تتولد بالمعاشرة الطويلة والمرافقة المستمرة. إن المحبة الحقيقية هي ابنة التفاهم الروحي وإن لم يتم هذا التفاهم بلحظة واحدة لا يتم بعام ولا بجيل كامل.
ورفعت سلمى رأسها ونظرت نحو الأفق البعيد حيث تلتقي خطوط صنين بأذيال الفضاء ثم قالت "لقد كنت لي بالأمس مثل أخ اقترب منه مطمئنة وأجلس بجانبه في ظلال والدي. أما الآن فقد شعرت بوجود أقوى وأعذب من العلاقة الأخوية. قد شعرت بعاطفة غريبة مجردة من كل علاقة. عاطفة قوية عميقة مخيفة لذيذة تملأ قلبي حزناً وفرحاً".
فأجبتها "أليست هذه العاطفة التي نخافها ونرتجف لمرورها في صدورنا جزءاً من الناموس الكلي الذي يسيّر القمر حول الأرض والأرض حول الشمس والشمس وما يحيط بها حول الله؟".
فوضعت يدها على رأسي وغرست أصابعها بشعري وقد تهلل وجهها وترقرقت الدموع في عينيها مثلما تلمع قطرات الندى على أطراف أوراق النرجس ثم قالت "مَن من البشر يصدق حكايتنا ــ مَن منهم يصدق بأننا في الساعة التي تجيء بين غروب الشمس وطلوع القمر قد قطعنا العقبات واجتزنا المعابر الكائنة بين الشك واليقين. مَن منهم يعتقد بأن نيسان الذي جمعنا لأول مرة هو الشهر الذي أوقفنا في قداس أقداس الحياة؟".
قالت هذه الكلمات ويدها ما برحت على رأسي المنحني ولو تخيرت في تلك الدقيقة لما فضلت تيجان الملوك وأكاليل الغار على تلك اليد الحريرية المتلاعبة بشعري ــ ثم أجبتها قائلاً "إن البشر لا يصدقون حكايتنا لأنهم لا يعلمون بأن المحبة هي الزهرة الوحيدة التي تنبت بغير معاونة الفصول. ولكن هل هو نيسان الذي جمعنا لأول مرة وهل هي هذه الساعة التي أوقفتنا في قدس أقداس الحياة؟ أما جمعت روحينا قبضة الله قبل أن تصيرنا الولادة أسيري الأيام والليالي؟ إن حياة الإنسان يا سلمى لا تبتدئ في الرحم كما أنها لا تنتهي أمام القبر، وهذا الفضاء الوسيع المملوء بأشعة القمر والكواكب لا يخلو من الأرواح المتعانقة بالمحبة والنفوس المتضامنة بالتفاهم".
ورفعت سلمى يدها بلطف عن رأسي تاركة بين مغارس الشعر تموجات كهربائية يتلاعب بها نسيم الليل فيزيدها نمواً وحراكاً. فأخذت تلك اليد براحتي نظير متعبد يتبرك بلثم المذبح ووضعتها على شفتي الملتهبتين وقبلتها قبلة طويلة عميقة خرساء تذيب بحرارتها كل ما في القلب البشري من الإحساس، وتنبه بعذوبتها كل ما في النفس الإلهية من الطهر.
ومرت علينا ساعة كل دقيقة منها شغف ومحبة تساورنا سكينة الليل وتغمرنا أشعة القمر وتحيط بنا الأشجار والرياحين حتى إذا ما بلغنا تلك الحالة التي ينسى فيها الإنسان كل شيء سوى حقيقة الحب سمعنا وقع حوافر وهدير مركبة تقترب منا مسرعة فانتبهنا من تلك الغيبوبة اللذيذة وهبطت بنا اليقظة من عالم الأحلام إلى هذا العالم الواقف بمسيره بين الحيرة والشقاء فعرفنا بأن الوالد الشيخ قد عاد من دار المطران فنهضنا وسرنا بين الأشجار ننتظر وصوله.
وبلغت المركبة مدخل الحديقة فترجل فارس كرامة وسار نحونا منحني الرأس بطيء الحركة ونظير متعب رازح تحت حمل ثقيل تقدم نحو سلمى ووضع كلتا يديه على كتفيها وأحدق بوجهها طويلاً كأنه يخاف أن تغيب صورتها عن عينيه الضئيلتين. ثم انسكبت دموعه على وجنتيه المتجعدتين وارتجفت شفتاه بابتسامة محزنة وقال بصوت مخنوق "عما قريب يا سلمى، عما قريب تخرجين من بين ذراعي والدك إلى ذراع رجل آخر. عما قريب تسير بك سنة الله من هذا المنزل المفرد إلى ساحة العالم الوسيع فتصبح هذه الحديقة مشتاقة إلى وطء قدميك ويصير والدك غريباً عنك، لقد لفظ القدر كلمته يا سلمى فلتباركك السماء وتحرسك".
سمعت سلمى هذه الكلمات فتغيرت ملامحها وجمدت عيناها كأنها رأت شبح الموت منتصباً أمامها. ثم شهقت وتململت متوجعة كعصفور رماه الصياد فهبط على الحضيض مرتجفاً بآلامه ــ وبصوت تقطعه الغصات العميقة صرخت قائلة "ماذا تقول؟ ماذا تعني؟ إلى أين تريد أن تبعث بي؟".
ثم شخصت به كأنها تريد أن تزيل بنظراتها الغلاف عن مخبآت صدره. وبعد دقيقة مثقلة بعوامل ذلك السكون الشبيه بصراخ القبور قالت متأوهة "قد فهمت الآن... قد عرفت كل شيء... إن المطران قد فرغ من حبك قضبان القفص الذي أعده لهذا الطائر المكسور الجناحين فهل هذه هي إرادتك يا والدي؟".
فلم يجبها بغير التنهدات العميقة ثم أدخلها الدار وأشعة الحنو تنسكب من ملامحه المضطربة. فبقيت أنا واقفاً بين الأشجار والحيرة تتلاعب بعواطفي مثلما تتلاعب العواصف بأوراق الخريف. ثم اتبعتهما إلى القاعة ــ وكي لا أظهر بمظهر طفيلي يميل إلى استطلاع الخصوصيات أخذت يد الشيخ مودعاً ونظرت إلى سلمى نظرة غريق تلفت نحو نجم لامع في قبة الفلك. ثم خرجت دون أن يشعروا بخروجي ولكنني ما بلغت أطراف الحديقة حتى سمعت صوت الشيخ منادياً فالتفت وإذا به يتبعني فعدت إلى لقائه، ولما دنوت منه أمسك بيدي، وقال بصوت مرتعش "سامحني يا بني فقد جعلت ختام ليلتك مكتنفاً بالدموع، ولكنك سوف تجيء إليّ دائماً ــ أليس كذلك. ألا تزورني عندما يصير هذا المكان خالياً إلا من الشيخوخة المحزنة؟ إن الشباب الغض لا يستأنس بالشيخوخة الذابلة كما أن الصباح لا يلتقي المساء ــ أما أنت فسوف تجيء إليّ لتذكرني بأيام الصبا التي صرفتها بقرب أبيك، وتعيد على مسمعي أخبار الحياة التي لم تعد تحسبني من أبنائها.. أليس كذلك؟ ألا تزورني عندما تذهب سلمى، وأصبح وحيداً منفرداً في هذا المنزل البعيد عن المنازل؟"
لفظ الكلمات الأخيرة بصوت منخفض متقطع، ولما أخذت يده وهززتها صامتاً أحسست بقطرات الدموع السخينة قد تساقطت على يدي من أجفانه، فارتعشت نفسي في داخلي وشعرت نحوه بعاطفة بنوية عذبة محزنة تتمايل بين ضلوعي وتتصاعد كاللهاث إلى شفتي ثم تعود كالغصات إلى أعماق قلبي ــ ولما رفعت رأسي ورأى أن دموعه قد استدرت الدموع من أجفاني انحنى قليلاً ولمس بشفتيه المرتجفتين أعالي جبهتي، ثم قال محولاً وجهه نحو باب المنزل "مساء الخير .. مساء الخير يا بني".
إن دمعة واحدة تتلمع عن وجنة شيخ متجعدة لهي أشد تأثيراً في النفس من كل ما تهرقه أجفان الفتيان.
إن دموع الشباب الغزيرة هي مما يفيض من جوانب القلوب المترعة. أما دموع الشيوخ فهي من فضلات العمر تنسكب من الأحداق. هي بقية الحياة في الأجساد الواهنة، الدموع في أجفان الشبيبة كقطرات الندى على أوراق الوردة. أما الدموع على وجنة الشيخوخة فأشبه بأوراق الخريف المصفرة التي تنثرها الأرياح وتذريها عندما يقترب شتاء الحياة.
واختفى فارس كرامة وراء مصارع الباب وخرجت أنا من تلك الحديقة وصوت سلمى يتموج في أذني وجمالها يسير كالخيال أمام عيني ودموع والدها تجف ببطء على يدي. خرجت من ذلك المكان خروج آدم من الفردوس ولكن حواء هذا القلب لم تكن بجانبي لتجعل العالم كله فردوساً. . خرجت شاعراً بأن تلك الليلة التي ولدت فيها ثانية هي الليلة التي لمحت فيها وجه الموت لأول مرة.

يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الأجنحة المتكسرة _جبران خليل جبران
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الوردة الحزينة :: الأقسام الأدبية والشعرية :: قسم القصص والروايات-
انتقل الى: